السيد علي الموسوي القزويني
400
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
ثمّ إنّ العبرة في كون المال المبذول للحكم رشوة بقصد المعطي لا الآخذ ، فإن أعطاه لغرض أن يحكم له وأخذه الحاكم لا بهذا القصد كان من الرشوة المحرّمة ، حتّى أنّه لو اطمأنّ على نفسه بأنّه لا يزلّ في مقام الحكم ولا يميل نفسه إلى باذل المال كان رشوة محرّمة أيضاً ، لصدق الاسم وإطلاق كلام أهل اللغة والفقهاء في تفسيرها . نعم حرمة أخذه مقصورة على ما لو علم الآخذ بقصد المعطي ، فلو جهل ولو بكونه ظانّاً أو شاكّاً لا ضير في أخذه ، لعموم أصل البراءة في الشبهات الموضوعيّة وإن كان التحلّي بحلية التقوى وسلوك طريق الاحتياط يقتضي أولويّة تجنّبه . ثمّ إنّه قد ظهر من تضاعيف كلماتنا المتقدّمة أنّ الرشوة كما يحرم أخذها على الحاكم وهو المرتشي ، فكذا يحرم إعطاؤها على الراشي ، كما هو المصرّح به في كلام الأصحاب بل عليه الإجماع ظاهراً ، ويدلّ عليه من النصوص ما تقدّم « 1 » من لعن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم « الراشي والمرتشي » وفي كلام جماعة « 2 » تعليلها في الراشي بكونه إعانة على الإثم ، وإن كان في أصله أو اطّراده موضع نظر . ويستثنى الإعطاء من الحرمة فيما لو كان المعطي محقّاً وتوقّف الوصول إلى حقّه بإعطاء الرشوة ، فيجوز إعطاؤها حينئذٍ للراشي وإن حرم أخذها على المرتشي ، كما هو المصرّح به في كلام جماعة منهم الحلّي « 3 » فيما تقدّم من عبارته ، وإطلاقها بالقياس إلى صورة عدم توقّف الوصول إلى الحقّ منزّل على صورة التوقّف . ودليل الاستثناء حينئذٍ قاعدة نفي الضرر الحاكمة على سائر الأدلّة الخاصّة الّتي منها ما نحن فيه . ثمّ إنّ المصرّح به في كلام جماعة جريان الرشوة في غير الحكم من الغايات الاخر الّتي يتوصّل إليها ببذل مال حقّاً كانت الغاية المقصودة أو باطلًا ، وهذا صريح ما تقدّم من كلام المصباح المنير كما في المجمع أيضاً ، وربّما نسب إلى النهاية الأثيريّة أيضاً . وخصّه في شرح القواعد بما لو كانت الغاية باطلة ، وقد سمعت تمام عبارته وموضع البحث منه قوله : « بل هو البذل على الباطل أو على الحكم حقّاً أو باطلًا » « 4 » . وهذا جيّد ، لمنع إطلاق الرشوة على ما كان لتمشية حقّ وهو الغاية المباحة ، كما
--> ( 1 ) تقدّم في الصفحة : 394 . ( 2 ) كما في الرياض 8 : 182 ، الشرائع 2 : 12 . ( 3 ) السرائر 2 : 217 . ( 4 ) شرح القواعد 1 : 27 .